قرية دهمش باقية رغم أنوفهم..!
* الشرطة اقتحمت القرية أمس الأول لهدم أحد المنازل، والأهل يتقنون التصدي والدفاع عن المنزل، عن المستقبل! * د. سويد يرافق الأهل ويتناوب ود. حنين على التواجد طيلة نهار ومساء الأربعاء في خيمة الاعتصام *
* خاص بـ”ملحق الاتحاد” *
القصة لم تبدأ صباح الأربعاء من هذا الأسبوع، ولم تنته مساءه. فأبناء قرية دهمش غير المعترف بها، والواقعة بين مدينتي اللد والرملة لم تعرف من رجال الدولة الا زعران البوليس ولم تعرف منهم الا هرواتهم كما أنها لم تعرف من آليات الدولة، لا الباصات العمومية ولا سيارات الاسعاف، بل جرافات الهدم والمزيد من الركام، وهو ما كاد يكون صباح الأربعاء الأخير..
فقد استفاق أهل القرية ( التي أعترف على تسميتها بالحي !) على نبأ مداهمة قوات كثيفة ومدججة من الشرطة وحرس الحدود والوحدات الخاصة (يسام)، لقريتهم واغلاق المنافذ اليها بالحواجز، لا لتنفيذ عملية عسكرية بحق عدد من “المخربين المطلوبين” إنما لهدم منزل السيد علي شعبان، والمكون من طابقين ويحوي أربع وحدات سكنية، من المخطط أن تحتضن عائلته وعائلات أبنائه، وطبعا بحجة البناء غير المرخص الممجوجة اياها!
ولكن أبناء القرية لم يكتفوا بتلقي المفاجأة بل وقرروا أن يفاجئوا هم أيضا سلطات الهدم، اذ تجمهر عدد كبير منهم في المكان، وبدأوا يتخذون الخطوات اللازمة: السيد علي شعبان، تحصن في منزله وهدد بتفجير بالون غاز بنفسه اذا ما اقتربت الجرافات من منزله، وأعضاء اللجنة الشعبية وجمعية “شتيل”، وبمرافقة من عضو الكنيست الجبهوي د. حنا سويد أصدروا أمرا من المحكمة بتجميد قرار الهدم، وظلت الوفود تتقاطر الى البيت المهدد بالهدم، تشد على أيدي أصحابه، ولكن الشرطة وسلطات الهدم (ومن يقف من خلفها) فقد شعرت بالاهانة من استصدار الأهل لقرار منع الهدم فاستأنفوا الى المحكمة ثانية، فردت هذه الاستئناف لتغادر الجرافات المكان ومعها جحافل البوليس وذيولهم بين أقدامهم، بينما البسمة الشامتة لا تفارق أبناء الحي ورفاقهم، لينطلقوا بعد قليل نحو اتخاذ الخطوات التخطيطية والقضائية اللازمة لمنع الهدم القادم..
* د. سويد يهيب بالأهل: كثفوا العمل ووحدوه مهنيا وشعبيا ! *
د. حنا سويد، والذي يرافق قضية هذه القرية كعضو للكنيست ولكن أيضا كرئيس للمركز العربي للتخطيط البديل قبل انتخابه نائبا، كان من بين أوائل من وصلوا الى الحي، بعدما قام عدد من أهل القرية والنشطاء فيها بتبليغه بالتطورات، وفور وصوله الى المكان ومشاهدة الأعداد الهستيرية للقوات البوليسية في المكان، قام د. سويد بالاتصال بوزير الأمن الداخلي، أبراهام ديختر، ليعبر عن احتجاجه على التعامل العسكري البوليسي الفظ مع المواطنين وطالبه بمنع هدم البيت وسحب قوات الشرطة الكبيرة من الموقع، وحذّره من أن هذه القوات تشل الحياة دون مبرر وتزرع الرعب والهلع في نفوس النساء والأطفال، وبأن بقاءها قد يؤدي الى انفجار الأوضاع المتوترة أصلا.
وبقي د. سويد في الموقع طيلة اليوم الى أن انسحبت قوات البوليس وحث الأهل في لقائه بهم على الصمود وعدم التسليم بالأمر الواقع واستنفاد كافة الوسائل المهنية والشعبية لمنع تنفيذ الهدم كما أكد على ضرورة إتمام المخطط الهيكلي للحي وتقديمه للجنة التنظيم المختصة ومتابعته لغاية إقراره مما يسمح باستصدار رخص بناء لبيوت القرية وتطويرها كما يليق ، ودعا الأهالي إلى الصمود والتعاون والعمل المنظم من اجل تأمين وجودهم وبقائهم في أرضهم وتطوير حيهم.
كما وتواجد في المكان النائب أبراهيم صرصور والمحامي ضرغام سيف ومجموعة من المحامين ونشطاء الجمعيات الأهلية.
* “قرية دهمش ترحب بكم..” *
الوصول للغرباء الى قرية دهمش دون مساعدة من أحد العارفين، مهمة شبه مستحيلة بالنهار ومستحيلة قطعا بساعات الليل، فليس على الطرقات، ما يشعر بحياة أو وجود هذه القرية، تماما كما هو حال القرى غير المعترف بها في البلاد والتي يقطنها ما لا يقل عن المئة ألف مواطن عربي بكثير..
لا علامة فارقة لمدخلها سوى سكة الحديد التي تهدد سلامة الأهل لدى دخولهم وخروجهم، وليس في هذه القرية البالغ عدد سكانها نحو 800 شخص أي من الخدمات الأساسية فلا مدارس ولا عيادات طبية، وكل منازلها التي يصل عددها نحو 70 منزلا مهددة بالهدم بحجة البناء غير المرخص، وكأن الأهل يجدون مكانا آخر للبناء فيه وكأن بامكانهم استصدار الرخص من أي جهة كانت، كل هذا علما أن أرض القرية والبالغة مساحتها نحو 200 دونم تعود الى ملكية الأهل الخاصة، فهم لم يعتدوا على أحد أو على أرض أحد..
ويعتمد أبناء القرية في معيشتهم، على مدينة الرملة المجاورة لهم، ولكن علاقتهم بهذه المدينة، ( أو ببلديتها، توخيا للدقة) ليست وردية، فهذه البلدية ورئيسها العنصري المعروف، يوئيل لافي، قد حاولت مع بداية العام الدراسي الحالي، منع الأطفال من أبناء دهمش من الانضمام الى مدارس وروضات الرملة” ولم ينته الموضوع الا بحرب شرسة في أروقة المحاكم..
ولكن ورغم شظف الحياة، وتعسف السلطة، ورغم أن “المقولة التاريخية” القائلة بأن “كل شي عنا زفت ما عدا الشوارع” تنطبق على هذه القرية وطرقها الترابية الغارقة بمياه الأمطار وتلك العادمة، رغم سواد المشهد، لم ينس أبناء القرية أن يثبتوا أمام السكة الحديدية يافطة ظريفة ناصعة البياض الى حد الوقاحة، ترحب بالضيوف الكرام، وكأنها تماحك السكة الحديدية وتستضرط واضعيها، تمد لسانها بشماتة قائلة “هنا باقون..”
* المركز العربي للتخطيط البديل: نحو اعداد الخوارط الهيكلية.. *
كثف أبناء القرية منذ العام 2000 نضالهم القضائي والمهني، خاصة في مجال التخطيط، من أجل استلال الاعتراف الرسمي بقريتهم، وقد تلقى هذا النضال دفعة نوعية أخرى بانضمام المركز العربي للتخطيط البديل الى هذا النضال، مع مطلع العام المنصرم لتتشكل لجنة عمل مشتركة، تضم مهنيين من المركز العربي وجمعية “شتيل” وممثلين عن أبناء القرية.
ومما يتضح من التقرير المرحلي الذي أعده المركز العربي، في أيلول من العام المنصرم، فإن نضال أبناء القرية يجب أن يكون على مستويين، الآني وبعيد الأمد.
المهام على المستوى الآني، تتلخص بالتصدي للمخططات المعدة في الهيئات المختلفة والتي تهدد مستقبل القرية وبقائها، وهنالك مخططان من هذا النوع، أحدهما هو مخطط اقامة مفرق طرق في المنطقة (תוכנית מח/153 א) والذي يشكل حدا ومعيقا لتطور القرية ويمهد لشق شارع على أرضها وبيوتها، وقد قدم المركز العربي تخطيطا لنفس المفرق يوفر نفس المتطلبات التي يوفرها التخطيط الرسمي للمفرق، مع ازاحته الى الشمال، بحيث لا يمس القرية وقد قدم الى المحكمة للمصادقة عليه، وأما المخطط الآخر فهو مخطط اقامة حي جديد (תוכנית לה/1100) ويعزل القرية عن مركز حاتها في الرملة، وهو ما يرى به المركز محاولة للفصل العنصري.
وأما النضال على المدى البعيد فيستجوب العمل على اعداد خارطة هيكلية تفصيلية للقرية مع تشخيص امكانيات تطورها واحتياجاتها المستقبلية وهو ما قد أوشك المركز العربي على اتمامه وبحسب التقرير المذكور يؤكد المركز بأن هنالك ثلاث امكانيات لتطور هذه القرية، أولها، والمفضلة على الأهل هو الاعتراف بالقرية كقرية زراعية مستقلة ضمن نفوذ أحد المجالس الاقليمية في المنطقة، والامكانية الثانية، الاعتراف بها حيا في منطقة نفوذ الرملة والامكانية الثالثة بضمها الى اللد.
* اليسام تقتحم.. مرحى لفاتح قرية !! *
النائب سويد، رفض مغادرة المكان عند هبوط المساء الا بعدما تأكد من وشوك وصول رفيقه في الكتلة البرلمانية، د. دوف حنين، حيث كان متوجسا من ابقاء السكان وحدهم، وقد توقع أن تحاول الشرطة بحلول الليل الثأر لهزيمتها في النهار.
د. حنين من جهته والذي التقى بخيمة الاعتصام بالعشرات من أبناء القرية والمتضامنين، حيا الأهل على وقفتهم الوحدوية مؤكدا على عدالة مطلبهم بتجميد أوامر الهدم الى حين الانتهاء من اعداد الخوارط الهيكلية، وقلل من أهمية الحجج السلطوية اذ قال “السلطات ترفض الاعتراف بهذه القرية القائمة قبل قيام الدولة بحجة أن المنطقة زراعية ولكنني أرى هنا قرية متكاملة لا ينقصها شيء سوى الزراعة، فلم الاستهتار بعقول الناس”، وأكد د. حنين بأنه ليس بين أبناء هذ القرية من يعشق السكن ببيوت مهددة بالهدم الا أن هذا كان الخيار الوحيد أمامهم لتجاهل السلطات لاحتياجاتهم، كما أشار الى اتساع ظاهرة البناء غير المرخص في الوسط اليهودي والتي تتم عادة بالاعتداء على أرض عامة، بينما في الوسط العربي تتم على الأرض الخاصة لصاحب المبنى دون الاعتداء عادة على احد، ورغم الفرق الشاسع بين الحالتين الا أنه لا مكان للحديث عن عمليات هدم في الوسط اليهودي!!
وما أن هم د. حنين بمغادرة المكان حتى فوجئ أهل الحي باقتحام دورية كبيرة من رجال وحدة المهام الخاصة “اليسام” للقرية ويتجاوز عدد أفرادها العشرة وكلهم مسلحون، فعاد د. حنين الى الموقع، حيث فوجئ بالتعامل الفظ للمواطنين، وتبين له بأن كل هؤلاء “الرجال” جاءوا ومعهم صورة طفل يطل من شباك المنزل، ويريدون اعتقاله في الحال للتحقيق معه.
د. حنين تساءل مستغربا عن تهمة الطفل الذي يبدو في الصوة داخل المنزل وخلف حاجز حديدي على الشباك، فقال له الضابط بانتفاخ “لقد سب رجال الشرطة”، فأجابه د. حنين بالتحذير من أن اعتقال طفل في ساعات المساء وبالقوة سيعيد الى الأمور الى توترها وهدد بالتوجه الى الضباط المسؤولين عن هذه الوحدة، فما كان من جحافلها الا الانسحاب ثانية، وذيولهم بين أقدامهم..!
