“وحدة الهجرة، أهي وحدة بوليسية حقا أم مجرد أداة بأيدي شركات القوى العاملة ؟!”

* خاص بـ”الاتحاد”، اعداد المكتب البرلماني للنائب الجبهوي دوف حنين*

“العمال الأجانب” اسم خفيف لطيف قد يحملنا في بعض الأحيان الى حمل الحسد نحو هؤلاء “الأجانب” القادمين من بلاد ما وراء المحيطات والأدغال. حسد طفولي قد نحمله تجاه من “حظيوا بركوب الطائرة”..
إسم محايد، أي والله، لكنه يخفي معاناة عظيمة. يخفي الاسم الحقيقي لظواهر الاتجار ببني البشر في هذا الزمن الحديث جدا، الصغير كقرية والوديع كذئب.. فمن هم أولئك “العمال الأجانب؟!”
الظاهرة في العالم منتشرة بكثافة، ولكننا هنا بصدد النظر اليها في مرآة الواقع الاسرائيلي، ولكن وكتوطأة لا بد من الانطلاق من النظرة العالمية، حيث يعشش النظام العولمي..
نبدأ من الفكرة، فهي أبسط وأقدم ما يكون: كل صاحب رأسمال، يطمع الى زيادة ثروته (ومعها وبشكل طردي، سطوته الاجتماعية والسياسية) وهو من أجل ذلك يضع لنفسه الهدف الأبسط لصاحب كل بسطة خضروات: جني أكثر ما يمكن من الأرباح، مقابل تحمل أقل ما يمكن خسائر ومصروفات.
هكذا كانت الفكرة دائما، وهكذا وجدت لها موقعا أكثر بروزا تحت الشمس مع الثورة الصناعية، التي قلصت من تكاليف الانتاج وضاعفت كمياته..
لكن التطور العالمي، لم يتوقف كما ظن البعض عند تلك الثورة، فالانسان لا يشبع والمطامع لا تنضب، إلى أن صار العالم قرية صغيرة بفضل الثورة الهائلة بوسائل التنقل والاتصال وتلاشي الحدود بين الدول، أو باختصار شديد بفضل تحول العالم الى قرية صغيرة، أو وباختصار أشد وأحد بفضل ما يسمى بالعولمة..!
وهنا أيضا، في ظلال العولمة ظلت كلمة السر بالنسبة للمنتجين، بالنسبة لبيل جيتس وأبو ابراهيم، جارنا بائع البطيخ، “التوفير”..
ولكن قواعد اللعبة تغيرت:
اليوم، العالم صار أصغر، والحدود أخذت بالتلاشي، والتوفير سيد الموقف، اذن فمن الطبيعي جدا، أن يقوم أصحاب مصانع النسيج في اسرائيل بنقلها الى الأردن، هناك حيث تتقاضى العاملة أجرا أقل بكثير من أجر الحد الأدنى في اسرائيل، وما دامت المسافات مختزلة الى هذا الحد، فلا بأس من نقل المصانع اياها الى الصين، مثلا.
وهنا لا يظل مكانا للأسئلة “القومية و”الوطنية” أمام أصحاب رؤوس الأموال، فهم لا يسألون أنفسهم “ولكن كيف أغلق المصنع وأرمي الألوف من أبناء بلدي وشعبي في سوق البطالة دون لقمة العيش ؟!”
ومن هنا جاءت المقولة الماركسية بأنه ليس لرأسالمال وطن، صحيح، ولكن أيبقى للعمال وطنهم؟
لا، ولا لهم!
وأما الفرق بين بيل جيتس وأبو ابراهيم، فهو بأن جيتس هذا يقضي نهاره في منتجع خماسي النجوم، بينما يعمل من هم تحت امرته في الطابق المئة من ناطحة سحاب في سماء نيو يورك، يضعون خارطة العالم بين أيديهم ويقسمونها وفق الأرخص له، تماما كما لو أنهم يقسمون حبة البرتقال “صناعة المعادن في الفلبين، وفي رومانيا صناعة البلاستيك وأما انتاج البرامج ففي اسرائيل، وفي الصين تجمع كل هذه القطع الصغيرة لتنتج حاسوبا أو برادا..
بينما أبو ابراهيم يبحث عن البطيخ بأرخص مقثاة ليبعيه بحي الأغنياء..يحكم عليهم حسب سياراتهم دون أن يحظى بنظرة الى بيوتهم من الداخل.. أوليس هذا هو التنافس المتساوي الحر؟!
ولكن، ماذا عن الصناعات غير القابلة للتنقل، فأنت قد تستطيع أن تنقل مصنع النسيج الى الصين، ولكن أتستطيع أن تنقل كل المرضى والعجزة من اسرائيل الى الفلبين؟!
ولما كان الممرضون أو المعتنون الفلبينيون أرخص من “نظرائهم” الاسرائيليين ولما ما كان بالوسع نقل المرضى الى الفلبين، فلم لا يستورد هؤلاء العمال من الفلبين الى البلاد المقدسة، الى بلاد السمن والعسل؟
هذه هي الفكرة، وهكذا بدأ عالم العمال الأجانب..
**
أجور الحد الأدنى في اسرائيل تضاعف أجور العمال في عدد كبير من الدول، كالصين والهند ورومانيا وبلغاريا والفلبين، ما يجعل العمال من هذه الدول يتحينون الفرص للقدوم الى اسرائيل، لكن الأمر، لا يتعلق ببعض الأوراق الثبوتية والحصول على ثمن تذكرة السفر، وان كانت كل قضية هؤلاء العمال تتطلب دراسة جدية، حول ظروفهم واستغلالهم من قبل كل جهة ذات صلة بهم، بدءا بمسقط رأسهم وانتهاء بالدولة التي يمكثون بها، الا أن الأمر الأشد غرابة والذي نحن بصدد التوقف عنده بشكل خاص هنا، هو تصرف دولة اسرائيل معهم، وهي “الفيلا القابعة في قلب الجونغل” (!)..
اسرائيل لا تمنح تأشيرات العمل للعمال أنفسهم، وفق احتياجاتها وقدراتهم. لكنها تمنح هذه التأشيرات، لشركات القوى العاملة، وهذه الشركات تكون بشكل عام مرتبطة بأطراف مافياوية دولية، “توفّر” لها العمال الأجانب. ولأن هذه الشركات ربحية بالأساس، فإنها تجبي من كل عامل يرغب بدخول اسرائيل عمولة تتراوح ما بين الـ 7-14 ألف دولار. فيضطر العمال وأبناء عائلاتهم الى بيع كل ما يملكون من أجل أن يسددوا بعضا من هذا المبلغ كعربون، وماذا عن القية.لا بأس، فليدفعوها على مهلهم، ولكن، “رجاء، لا تنسوا اضافة الربى!”
يدخل اسرائيل سنويا ما لا يقل عن 30 ألف عامل، واذا ما افترضنا أن كل واحد منهم يدفع ما معدله 10 آلاف دولار، فإن هذه الشركات تجبي كل عام 300 مليون دولار فقط من ادخال العمال الى اسرائيل، هذا عوضا عما تجنيه من أرباح على أكتافهم كعمال في المجالات المختلفة!
أن يكون العمال مدينين لهذه الشركات يعني أنهم مرتبطون بها، وأن بقاءهم باسرائيل مرهون برضاها عنهم، وهكذا يصبح هذا العامل بين نارين:إما أن يبقى تحت رحمة هذه الشركة، وأن تواصل تشغيله بأشق الأعمال مقابل الفتات لتواصل جني الأرباح على ظهره وإما أن يفرّ ليصبح حرا ويعمل بأي فرصة قد تتوفر، ولكنه بالمقابل سيعيش بجحيم المطاردة، فمكوثه لن يبقى قانونيا وقد تضبطه “وحدة الهجرة” البوليسية وتطرده.
ولكن: من قال بأن “بذخ” الهروب متوفر دائما؟ خاصة وأن هذه الشركات تلسب منهم كل اموالهم وأوراقهم الثبوتية، لمنعهم من التفكير بالرحيل؟ وبم تسمى هذه الظاهرة ان لم تكن عودة الى تجارة الرق والعبيد؟!
**
تشغيل شركات القوى العاملة لهؤلاء “العبيد الأجانب” قد يكون مربحا لكن الأكثر توفيرا للربح هو جلبهم من بلادهم، لذا فإن الشركات ذاتها التي تجلبهم يكون لها مصلحة غالبا بطردهم وتهجيرهم من أجل جلب آخرين غيرهم، لذا فإنها تحضر العمال الفلبينيين وفقط بعد احضارهم وجبي النقود منهم تتنبه الى أنهم غير ملائمين للعمل بالمتريض فتعمل على طردهم لجلب آخرين وهكذا دواليك..
وهنا بدأ السؤال: “وحدة الهجرة” أهي وحدة بوليسية حقا أم أنها مجرد ذراع آخر بأيدي شركات القوى العاملة لضمان استمرار عملها وأرباحها؟!
على أي حال، هنالك أسئلة أخطر، ربما لم تعرض هنا، وليست كلها تتعلق بالعمال الأجانب وبالذئاب من خلفهم، وإنما بالعمال الاسرائيليين الذين يقعون هم أيضا ضحية للتغير في سوق العمل، فإما أن يقبلوا هم أيضا بالقليل وإما فإن “الأجانب ع قفى اللي يشيل”!
هذه القضية تحتل مكانة مرموقة في جدول أعمال كتلة الجبهة البرلمانية وخاصة بالنسبة للنائب د. دوف حنين، من موقعه كرئيس لوبي لحقوق الانسان، والذي قد شارك بداية هذا الأسبوع ببحث حول الظاهرة في الكنيست.

أكتب تعليقاً