النشاط البيئي كأجندة اجتماعية وسياسية
بقلم: د.دوف حنين، الرئيس المشارك للوبي البيئي-الاجتماعي
دُشِّن في الكنيست أمس الأول الأربعاء اللوبي الاجتماعي البيئي لتعلـَّق عليه آمال كبيرة في عملنا البرلماني، فهذا اللوبي الذي أقيم للمرة الأولى منذ نحو 35 عاما، عاد في هذه الدورة أكثر حيوية وقوة، لسببين أساسيين، أولهما
أنه يعد هذه المرة أكبر لوبي في الكنيست، وبعضويته 42 نائبا وهو ما يعتبر انجازا كبيرا، وثانيهما هو تغيير اسم اللوبي من “البيئي” الى “البيئي- الاجتماعي” وهذا يعكس التغيير الكبير المخطط لهذا اللوبي ونشاطه.
أن يسمّى اللوبي بالبيئي الاجتماعي هو اشارة واضحة الى الربط بين قضايا العدالة البيئية والعدالة الاجتماعية. مبدأ العدالة البيئية يقول ببساطة بأن كل تلوّث بيئي يضر الجميع دونما استثناء ولكن- وبحسب دراسات مهنية وموثقة- هنالك من يتضررون أكثر: الفقراء، الأطفال والعرب، أي أبناء الشرائح المستضعفة، هكذا مثلا تلوث المياه لا يمس الأغنياء القادرين على شراء المياه المعدنية، ولكن من قال بأن لدى الجميع قدرة على شرائها؟!
وهذا ليس كل الشيء فالمعركة ليست بين من يتضرر أكثر أو أقل، انما مع الطرف الآخر من المعادلة، مع من يجنون الأرباح الطائلة من تهديدهم للبيئة.
وإليكم هذا النموذج من حياتنا اليومية: شركات الهواتف الخليوية تزرع في التجمّعات السكنية العربية واليهودية الهوائيات اللاقطة بتصاريح ودون تصاريح، بينما تشير الأبحاث الى أن هذه الهوائيات وما تبثه من أشعة يسبب أمراض فتاكة كالسرطان. هناك حل: هنالك وسائل أخرى أقل ضررا للمواطنين ولكن هذه الشركات لا تقوم بها.
لماذا؟ لأنها مكلفة، وليس هذا فقط بل أنها تستغل سطوتها، بالجزرة أو بالعصا، مع السياسيين لمنعهم من سن قوانين تحمي حياة الناس فقط لتوفير المزيد من الأرباح..
ويظل هذا النموذج متواضعا نسبة الى نماذج أخرى مأخوذة بشكل خاص من المدن والقرى العربية التي تحيطها المحارق، المزابل أو المحاجر.. فقط لخدمة أصحاب هذه “المصالح”، طبعا اضافة الى مصانع في العالم تهدد كوكبنا برمته بالخطر.
وسترون كيف ستتحد كل هذه الشركات المتناحرة على الأرباح في جبهة واحدة ضد تمرير القانون الذي قدمته على جدول أعمال الكنيست تحت عنوان “من يلوّث يربح” سيبذلون كل الجهود لمنع سنه وستكون معركة شرسة.
**
هذه النماذج وغيرها تؤكد بأن العدالة البيئية مرتبطة الى حد بعيد بالقضايا الاجتماعية، فالعدالة هي العدالة لا تنفصل ولا تتجزأ.
تؤكد هذه المعطيات أيضا بأن هذه القضايا ليست بذخا ولا ضربا من ضروب الرفاهية انما قضية أساسية ووجودية فإما أن نكون أو لا نكون. هذا ما يجب أن يدركه الجميع حتى وان كانت مشاغل الحياة وهمومها أكبر بكثير من درجة تلوث الهواء مثلا..
عندما نتحدث عن الربط بين هذه القضايا فإننا نقصد بالضبط الجيل الثالث من الناشطين البيئيين والخضر. الجيل الأول كان رومانسيا يتعامل مع البيئة بمفاهيم العشق والهيام وأما الجيل الثاني فكان أكثر مهنية، لكنه لم يتجاوز القضايا البيئية وأما نحن أبناء الجيل الثالث فالبيئة بالنسبة لنا أجندة عمل اجتماعية وسياسية.
وكما أن الخضر الأوائل من أبناء الجيل الثالث نشأوا في ألمانيا في أوج الحرب الباردة ليقولوا “لأننا خضر فإننا نعارض نصب الصواريخ في ألمانيا الغربية” ولم يقولوا “نحن خضر نهتم فقط بالزهور ولا شأن لنا بالصواريخ..”
هذه هي الحال في البلاد أيضا فالخضر الحقيقيون لا يستطيعون أن يدعوا الانشغال بالقضايا البيئية عن القضايا السياسية الاجتماعية، بالعكس علينا أن نقول، بأننا كخضر، نناضل من أجل العدالة البيئية التي لا تتم الا بالعدالة الاجتماعية ومن أجل بيئة نظيفة لا تكون بأي شكل متكاملة بأجواء العسكرة هذه، علينا أن نقول كلمتنا ضد الجدار لما يحمله من مآس للزراعة الفلسطينية.
علينا أن نقول بأن سخنين ومسجاف ورغم كل الخلافات على مناطق النفوذ تعانيان من نفس الآفات البيئية، لذا لا مفر من النضال المشترك، النضال العربي اليهودي المشترك.
علينا أن نقول بأن هنالك مياها جوفية وبحرا وأجواء نتقاسمها وجيراننا الفلسطينيين والعرب لذا فلا مجال الا للتعاون الاقليمي الدائم.
النضال الأخضر سيظل شاحبا ما دام ينقصه احمرار النضال الاجتماعي السياسي والنضال الأخضر أحمر هو نضال عربي يهودي مشترك من أجل السلام العادل والمساواة التامة من أجل العدالة الاجتماعية والبيئية..
لأن لأبنائنا حقا علينا..
