نحو اجندة اجتماعية مغايرة
تسنّ الكنيست هذا الأسبوع قانون الميزانية لهذا العام، لكن مباحثات أعضاء الكنيست في بنود القانون شكلية وتقنية، ويتم بضغط زمني كبير كما أن نتائجه، بشكل عام، معروفة سلفًا. هذا بينما نحن بحاجة الى النظر في أسئلة أساسية ومبدئية حول مجتمعنا. علينا أن نبدأ بسؤال أنفسنا أي مجتمع نريد؟ كيف بوسعنا تحويل هذه البلاد الى مكان أفضل للعيش فيه؟.. من أجل هذا علينا أن نعيد النظر في منطلقاتنا المتفق عليها ضمنيا، تلك التي لا نتحدث بها، لكنها تدير لنا مجتمعنا.
مرة في كل عام ننفعل وبحق من تقرير الفقر. كل عام نتأثر، من جديد، من اتساع الفقر وتعمقه، ولكن ومقابل تقرير الفقر هذا، يجب أن يكون هنالك تقرير بالغنى. لأنه عندما يتزايد الفقراء وتنسحق الطبقات الوسطى، فإن هنالك من يربح أكثر. هذا ما تؤكده عناوين الصحف في الأيام الأخيرة حول أرباح شركات الهواتف الخليوية والبنوك.
هذه الأرباح تركّز اموال المجتمع بأيد قليلة، هذه الأرباح ليست قيمة ايجابية، إنما، وبالأساس مصدر قلق كبير. أصحاب رؤوس الأموال لا يجبون الأرباح بأنفسهم. نحن، الدولة، نساعدهم على جبي هذه الأرباح بالترتيبات الاجتماعية التي نبلورها. باسم حرية المبادرة الحرة، نهدم أجهزة الدفاع الاجتماعية في المجتمع الاسرائيلي ونهدم كذلك حدود التخطيط البيئية.
ثقافتنا تكرّس الأرباح الهائلة وتعزز الرابحين الكبار. أصحاب الملياردات والملايين يحتلون القمة اليوم، ومن هم دونها يقضون حياتهم يصارعون لبلوغ القمة، وهو صراع مرير يذكّر بقصة “أليس في بلاد العجائب” حيث يجب الركض بوتيرة مضاعفة من أجل البقاء في نفس المكان!
كثر يقعون الى الأسفل، الطبقات الوسطى تنسحق وتختفي. مجتمعنا يفقد كل بعد حقيقي من التضامن الاجتماعي. ونحن نوزع بعض الفتات عمن هم في الأسفل حتى باتت الصدقات تستبدل أنظمة الرفاه في الدولة. لكن الحقيقة هي بأن حتى الفتات ما عاد يكفي الجميع، لذا فإننا نجد أنفسنا نتجادل، كما تجادلنا هذا الأسبوع، حول تفضيل من على من؟ أنفضل مرضى سرطان الأمعاء الغليظة على المصابات بمرض سرطان الثدي؟ أنمنح المسنين أم العاطلين عن العمل؟!
ليس هذا النقاش الذي نحتاجه. بوسعنا بناء المجتمع بشكل مغاير. تعالوا نجعل من الرفاه بدل الأرباح نقطة انطلاقنا. تعالوا نسأل كيف نبدّل الصدقات غير الكافية الى منظمة لضمان العدالة الاجتماعية.
في العالم هنالك ما نتعلمه في هذا المجال.
هنالك أفكار حول الأجر المتدني، كأجر مضمون لكل مواطن. أفكار حول المواطنة الاجتماعية- حول سلة حقوق اجتماعية، تضمنها المواطنة نفسها، كالحق بالثقافة، بالسكن، بالعمل والصحة، هنالك أفكار حول دمج البعد البيئي بالتطور الاقتصادي الاجتماعي، مساواة.
إن بلوغ هذه القيم لا يتطلب جهدا كبيرا فهي متجذرة في الثقافة التقدمية لشعبَينا، شعبي هذه البلاد.
هذا الأسبوع احتفل الشعب اليهودي بعيد “الشفوعوت”، ورددت في الكنائس “وثيقة روت” التي تحمل قيما اجتماعية وبيئية تقدمية، كضرورة ابقاء بعض من المحصول للفقراء وما يحمله هذا من تحديد لقدرة الأقلية على الربح لضمان المزيد للأغلبية والحق بالعيش بكرامة. هذه هي ثقافة تحرير العبيد، ثقافة الحفاظ على يوم استراحة أسبوعي، وهي ثقافة احترام الجار والدفاع عنه، عن الأقلية القومية الكائنة بيننا.
التوصية باحترام الجار، تتكرر في التوراة 36 مرة، وكأننا بكتبة التوراة أدركوا بأن هذه هي نقطة الضعف لدينا لذا عادوا وكرروا التأكيد على ضرورة احترام الجار والدفاع عنه.
هذه ثقافة الربط بين العدالة الاجتماعية والسلام. وقد جاءنا على لسان يرمياهو “لا تظلموا جارا، يتيما أو أرملة، ولا تريقوا الدماء الزكية في هذا المكان“.
أعلم بأنني في صفوف الأقلية كمن يحمل قيما اشتراكية في الكنيست الا أنني أتوجه أيضا الى من لا يقاسمني هذه القيم أن تعالوا لنجري حسابا مبدئيا في الكنيست.
فأنا على ثقة بأنه يمكن أن نجعل من هذه البلاد مكانا أفضل لعيش فيه، أهذا حلمي وحدي؟ فليجب كل واحد منكم عن هذا السؤال في قرارة نفسه!
* من خطاب النائب حنين في اقتراحه لجدول أعمال الكنيست تحت عنوان “إقتراح مغاير للسياسة الاجتماعية الآنية.”
