غزة وترجمة الرفض الى عمل سياسي

د.دوف حنين

أكتب هذه السطور مساء الأربعاء، وعيناي شاردتان نحو قطاع غزة، أرصد التطورات لحظة بلحظة، والقلق حول مصير المنطقة برمتها حقيقي وثقيل.

هذه الأيام تذكرني بقصيدة من أيام الحرب العالمية الثانية لشاعر تقدمي انجليزي، جاء فيها بما معناه “أدرك ما يدركه كل طالب في المدرسة، بأن من يتعرض للعنف سيرد بنفس الصورة”، أسمع الادعاءات والمناوشات حول “من بدأ أولا” فأتذكر خصومات الأطفال في الروضات وأشهد ما يعقب هذه النقاشات العقيمة من عنف، فأدرك كم كان غاندي صادقا بمقولته “العين بالعين، سنُعمى جميعًا”.
علينا أن ندرك بأن هنالك طريقين متوازيتين ومتعاكستين في اتجاههما، وبأنهما لا يلتقيان أبدًا، هنالك طريق الحوار والسلام، وبالمقابل هنالك طريق الصراع والحروب. طريقان لا تلتقيان ولا تؤدي أحدهما إلى الأخرى في أي من الأحوال.
اليوم، دوامة العنف تدور حول نفسها بهستيرية، فمن عملية إلى عملية مضادة، وكل عملية “تشرعن” ما قبلها وما بعدها والدماء تراق مجانًا، فيما الرابح الأكبر من كل هذا هو حكومة أولمرت التي تستغل إراقة الدماء من أجل الترويج للعالم وللمواطنين في إسرائيل وكأنه حقا لا شريك فلسطيني للسلام، وبالمقابل فان كل الاتفاقيات لا تضمن الأمن والسلام لإسرائيل وبأن المستقبل سيكون للسياسة أحادية الجانب.
حكومة إسرائيل هي المسؤولة عن كل ما يجري اليوم في غزة، فكل ما يحدث نتيجة تعنت حكومة شارون أولا ومن ثم حكومة أولمرت بعدم مباشرة المفاوضات مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس والسلطة الفلسطينية، رغم أن أبا مازن قد أعلن منذ انتخابه قبل نحو عام ونصف عن استعداده للتفاوض. الحكومة قررت أن عباس ليس شريكا للسلام وفقط بعد ذلك بدأت بتبرير هذا الادعاء وشرعنته، وواصلت التنكر ليده الممدودة للسلام. ولكن ليس هذا فقط؛ بل أنها واصلت مصادرة الأرض وبناء المستوطنات والجدار وسفك الدماء، وهل كان أحد ينتظر أن تكون لكل هذا ردة فعل غير عنيفة؟!
إن سلامة سكان سديروت لا تهم الحكومة حقا، فلو كان الأمر كذلك لكانت توصّلت إلى اتفاقية لوقف اطلاق النار فورًا، ولكن ما يقلقها هو أن اتفاقية كهذه لا تعني فقطلإ اطلاق قذائف القسّام على سديروت، وإنما قبل أي شيء إيقاف عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وهو الأمر الذي لا تعنى به الحكومة، ولا وزير “الأمن” فيها، عمير بيرتس، الذي تحول مع انتخابه، ولشديد الأسف، إلى مجرد مقاول لتنفيذ جرائم الاغتيال، مهملاً مهمته الحقيقية بتوفير الأمن الحقيقي لإسرائيل، الأمن الذي لا يتوفر إلا بضمان توافره لجيراننا الفلسطينيين أيضًا.
لو كانت الحكومة الإسرائيلية معنية حقا بتجاوز الأزمة، بتحرير الجندي جلعاد شليط وضمان الأمن لأهل سديروت والمجتمع الاسرائيلي بأكمله، لعرفت كيف تتعامل باحترام مع وثيقة الأسرى من أجل التوصل إلى اتفاقية وقف إطلاق نار وبدء المفاوضات السياسية فورًا.
هذه هي الصورة السوداء القاتمة، المبنية على أساس تجاهل الآخر والتنكر له، ومقابلها فإن واجبنا، نحن نشطاء السلام في الطرفين، هو اجتياز الجدران والحدود مصرين على مواصلة النضال الأممي المشترك من أجل مستقبل أفضل لشعبي هذه البلاد، ولنتزود حاليا بنقطة الضوء، التي أطلقتها حركتا “يوجد حد” و”جرأة للرفض” بدعوة الجنود الإسرائيليين إلى رفض تنفيذ الأوامر العسكرية باقتحام قطاع غزة، فكل من لديه ضمير كان يجب أن يثور ضد قتل الأطفال المتكرر في القطاع وأن يقول “لا” كبيرة. فالضمير لا يتجزأ ولا حدود له أو قومية، ومهمتنا هي أن نترجم استياء الناس الطيبين من الشعبين وغضبهم – وهم كثر- إلى عمل ونشاط سياسي مثابر وعنيد من أجل السلام الحقيقي والعادل.

تعليق واحد على “غزة وترجمة الرفض الى عمل سياسي”

  1. جبهاوي:

    lljh.

أكتب تعليقاً