أكتوبر: الصورة القاتمة والتحديات القادمة..!
أوضاع الجماهير العربية في البلاد، في الذكرى السادسة لجرائم اكتوبر 2000
بقلم: د.دوف حنين
في الذكرى السادسة لأحداث أكتوبر 2000، لا بد من الوقوف بجدية لمراجعة ما حل بالمجتمع الاسرائيلي واستفحال هوس العنصرية فيه ضد الجماهير العربية، والذي بلغ مراتب قياسية ابان وغداة حرب لبنان الثانية.
هذه المراجعة يجب أن تشتمل بشكل أساسي على ثلاثة محاور، هي المؤسسة الرسمية، الشرطة والجتمع الاسرائيلي.
أولا، المؤسسة الرسمية ككل، والتي كان من المفروض أن تجري بعد أحداث أكتوبر حسابا شموليا للنفس، وكان من المفروض ان تكون لجنة أور الحلقة الأولى فقط من هذه المحاسبة ومدخلا اليها، الا أن تقرير اللجنة والذي أشار بوضوح الى عمق التمييز وأبعاده بل واقترح عددا من الطرق للتخلص منه، قد أجهض كما لم تذوت أي عبرة من دروس أكتوبر القاسية وظلت معاملة هذه المؤسسة للجماهير العربية كما هي: عنصرية ومعادية.
ثانيا، تعامل الشرطة مع المواطنين العرب: هنا أيضا لم يحدث أي تغيير الى الايجاب بل الى السلب، اذ قتلت قوات الأمن بعد أحداث أكتوبر 18 مواطنا عربيا في حوادث متفرقة وعلى خلفيات مختلفة، الا أن المشترك بينها هو أنها كلها نفذت دون أي مبرر وبقي القتلة طلقاء. ولكل من ظن بأن هذه الجرائم كانت مجرد أحداث عابرة، فإن البيان الاعلامي الذي صدر عن الشرطة مؤخرا ووصف العرب بـ”العربوشيم” يشير الى مدى التعامل المعادي والاستعلائي ضد المواطنين العرب، ما وقع في هذا البيان كان مقرفا لكن المقرف أكثر هو اعتذار الشرطة الذي تعامل مع الحدث على أنه مجرد “خلل”، خلل وليس خطأ، أو خطيئة، ولكنه ليس هذا أو ذاك انما انعكاس أمين لتعامل الشرطة مع المواطنين العرب.
وفي المستوى الثالث نرى بأن المجتمع الاسرائيلي ككل بات يكن مشاعر العداء والكراهية للمواطنين العرب، أي أن العنصرية ضربت أوساط واسعة من الجمهور الاسرائيلي الذي بات يحمل مواقف متطرفة من المواطنين العرب، ويرى بهم جزءا من المشكلة، ولم يعد هذا الطرح علامة فارقة لليمين المتطرف.
* التحرر من عقلية الحصار والانغلاق.. *
وهنا علينا الوقوف بجدية وطرح السؤال عن المصدر، من أين تنبع كل هذه الكراهية؟! فنجد انها نتاج حملة سياسية اعلامية عملت بدأب على تصوير الجماهير العربية وكانها جزء من المشكلة والخطر المحدق بمستقبل دولة اسرائيل، ولكن ومهما بلغت شراسة هذه الحملة الديماغواغية، فإنها لا تحررنا- نحن في اليسار التقدمي الدمقراطي- من الاصرار على مخاطبة المجتمع الاسرائيليي من منطلق قناعتنا بأننا نخوض معركة على هذا المجتمع ووعيه وليس معه.
جوابنا واضح: الأقلية القومية العربية الفلسطينية في البلاد ليست جزءا من المشكلة، بل جزء من الحل، وإذا أراد البعض أن تكون اسرائيل مكانا تطيب الحياة فيه، فلن يتحقق لهم هذا الا إذا طابت الحياة فيه للأقلية والأغلبية على حد سواء.
المساواة القومية واليومية التامة للجماهير العربية، لا تهدد الأغلبية، لا تهدد ثقافتها أو حقوقها بل العكس، ففقط عندما تتمكن الأقلية من من التعبير عن ثقافتها واشغال حيزها المتساوي في المجتمع، حينها، وفقط حينها ستتمكن الأغلبية من التحرر من عقلية الحصار والذعر، ولذا فإننا نطرح أمام المجتمع في اسرائيل مستقبلا آخر، تتمكن فيه الأقلية والأغلبية من التحرر من العنصرية من جهة ومن الانغلاق من جهة أخرى.
نعتقد بأن المجتمع الاسرائيلي الذي يوفر حيزا متساويا ومتكاملا لأقلية العربية الفلسطينية، لن يكون أكثر ثراء ثقافيا فقط إنما سيكون أثرى اجتماعيا أيضا.
الجماهير العربية، هي البوابة وهمزة الوصل الطبيعية للمجتمع الاسرائيلي تجاه العالم العربي المحيط بنا، والذي يكون فيه اليهود اقلية، ولذا فإن علاقة اسرائيل بالعالم العربي المجاور لن تكون معافاة الا اذا تعافت علاقتها بمواطنيها العرب، ومن هنا تنبع العلاقة الجدلية في خطابنا المطالب بالعدالة في المستويين الداخلي والإقليمي، باتمام المساواة القومية واليومية التامة للجماهير العربية وباحلال السلام العادل والشامل بانهاء الاحتلال وانسحاب اسرائيل الى حدود 1967.
* نضالنا ضد الفاشية..*
الرد الأقوى على العنصرية يكون بنبذها وبضرب نموذج نضالي عربي يهودي متميز يحمل الى المجتمع الاسرائيلي خطابا واحدا جريئا لا تأتأة فيه، ولا تنقصه الاجابات المقنعة على التساؤلات الحقيقية في هذا المجتمع أو تلك المفتعلة الموهومة التي تعمل على تأجيجها المؤسسة الرسمية أو سواها، وهذا النضال لا يجوز أن يظل محصورا على الحركات اليسارية الضيقة على أهميتها انما يجب اختراق هذه الدوائر والوصول الى كل القوى الدمقراطية والليبرالية في المجتمع الاسرائيلي لتوسيع النضال ضد التمييز المؤسساتي، لمنع قتل المواطنين العرب على أيدي قوات الأمن ولعزل القوى الفاشية في المجتمع الاسرائيلي.
النضال ضد العنصرية والفاشية مركب وصعب، لا يتم بالميدان البرلماني وحده على أهميته إلا أنه يتطلب وقفة جماهيرية حاشدة، ليس فقط من الجماهير العربية إنما من كل من يهمه مستقبل أنائه، فالفاشية تبدأ ضد المواطنين العرب لكنها لا تتوقف عندهم..!
