الرفاق رافضون

فيما يلي نص رسالتين لرفيقي الشبيبة الشيوعية رافضي الخدمة العسكرية وكذلك لقاء مع النائب حنين حول ظاهرة الرفض

عمري عبرون، رافض مبدئي للخدمة العسكرية وأحد مركزيّ فرع الشبيبة الشيوعية في مدينة تل أبيب، كان يعلم بأن أمامه طريقا شائكة، هي طريق كل الرافضين للانجرار خلف التيار. هو في السجن الانفرادي منذ نهار الأحد الأخير.
في السجن العسكري رقم 4.
كان يعلم بأن ثمن رفضه قاس، لكن رد الشرطة العسكرية كان مهووسا، مجنونا. فهم لم يكتفوا بوضعه في السجن الانفرادي، بل منعوا عائلته من ادخال ملابس اليه.
ثلاثة أيام وليلتان بقي بملابسه الداخلية، حيث امتنع مبدئيا عن ارتداء الملابس العسكرية حتى وهو في السجن “لم أرفض ارتداء هذه الملابس كجندي لتجبروني على ارتدائها كسجين !”
ثلاثة أيام وليلتان، شبه عار في عزلته القسرية الى أن تدخل عضو الكنيست الجبهوي د.دوف حنين، “بوسعكم سجن عمري، لكن ليس من حقكم اذلاله الى هذا الحد، ليس باستطاعتكم المس بارادته” قال باتصال غاضب الى ضابط الشرطة العسكرية، وأثار القضية اعلاميا فسمح له بادخال الملابس.
ولكن ماذا عن الكتب؟!
لا تزال في عداد البذخ، وفق مفاهيم الجيش الأكثر أخلاقية وحضارة بالعالم!
**
“الشبيبة الشيوعية بين زعزعة المسلمات والرفض!”
ما كان قرار عبري ليفاجئ رفاقه وأصدقاءه. رفيقه وشريكه بتركيز فرع الشبيبة الشيوعية في تل أبيب، عوديد بن شمعون، يقول “بشكل عام فإن الشبيبة الشيوعية تثير لدى أفرادها أسئلة جوهرية حول الدولة التي يعيشون بها، حول الاحتلال والعنصرية وسلطة رأسالمال، وبذلك فإنها تتحدى غسيل الدماغ الذي يتعرض اليه الشباب منذ الصغر ليعيدوا النظر بما كانوا يعتبرونه في البداية من المسلمات، ومن ثم يصلون الى القرار برفض الخدمة العسكرية لكن الأمر مع عمري كان مختلفا، فهو لم يصل الى أفكاره وقراراته عن طريق الشبيبة انما أفكاره وقراراته هي التي أوصلته الى الشبيبة، فجاءنا غنيا بمواقفه الصلبة ضد الاحتلال والتمييز والعنصرية”.
وأضاف “لذا ليس صدفة، بأن هنالك 15 عضوا بفرع الشبيبة في تل أبيب وبأنهم جميعا إما رفضوا الخدمة العسكرية أو يعتزمون رفضها “إننا بعلاقة متينة مع عدد من الحركات المختصة بدعم رافضي الخدمة العسكرية كما أننا نوفر بأنفسنا كل الدعم لهؤلاء الرافضين.”
وأضاف أيضا “عدد الشبان اليهود الذين يرفضون اداء الخدمة الاجبارية في جيش الاحتلال آخذ بالتزايد عاما بعد عام، النسبة الأكبر من الرافضين تختار القيام بهذا بهدوء ودون الاعراب موقفها الواضح ضد الاحتلال تخوفا من العقوبات التي قد تفرض عليها لذا يبذلون كل الجهود من أجل الحصول على اعفاء بمختلف الذرائع، الصحية والعقلية وغيرها، الا أن هنالك نواة صلبة من الشباب الذين يقررون علانية الرفض لأسباب بدوافع انسانية، هذه الطريق الأصعب والأمر التي اختارها عمري، لكنه ليس وحيدا، فهنالك رفيقان آخران من الشبيبة الشيوعية قررا الرفض علانية، وهما ليؤور فولنيتس ويعيل دراير، وقد اختاروا هذه الطريقة وسيلة لاسماع الصوت الانساني الجريء ضد الاحتلال والحروب.”

د.حنين: الاصغاء الى من يحمون انسانيتهم وانسانيتنا..
د. دوف حنين، والذي قام بزيارة عبرون صباح أمس الأول الأربعاء يحدثنا “كان الاعياء واضحا على عمري، وقد أكد لي بأنه يتعرض لأعمال تنكيل لا مبرر لها ولا علاقة لها بتصرفه في السجن انما انتقاما من موقفه المبدئي الرافض لخدمة الاحتلال وأخذ دور في جرائمه، وأكد هو لي على رفضه بأي شكل للتنازل عن موقفه ونقلت له أنا بدوري أحر التحيات من نشطاء السلام والمتضامنين”.
وأردف د. حنين، وهو من طلائعيي رافضي الخدمة العسكرية في جنوب لبنان لدى شن العدوان الأول عليه، بالقول “هؤلاء الشبان مخلصون لقناعاتهم وفي سبيلها اتخذوا موقفا جريئا وصعبا، وعلى هذا هم يستحقون كل التحية والاحترام. انهم يرفضون من منطلقات انسانية الانضمام الى دائرة الاحتلال وسلب الفلسطينيين حقوقهم وارتكاب الجرائم بحقهم، وقد تمكنوا من عرض وجهة نظر متينة ورحبة، فهم يرون العلاقة الوثيقة بين الاحتلال والقمع وبين الخراب الاجتماعي، برون العلاقة الوثيقة بين محاربة الفلسطينيين ومحاربة الفقراء في اسرائيل.
“هؤلاء الشباب لا يصنعون معروفا للفلسطينيين برفض معاداتهم والاعتداء عليهم الا أنهم يصنعون معروفا لأنفسهم اذ يحمون الانسان فيهم من دنس الاحتلال ويطرحون الخيار الأصح والأسلم لشعوب المنطقة، بما فيها الاسرائيلي، لذا، على المجتمع الاسرائيلي أن يصغي باهتمام الى هؤلاء الشبان بدل التنكيل بهم.. اذا ما كان يطمح الى غد أفضل”
وأنهى د.حنين بقوله “اليوم، وكعضو كنيست أعتزم على منح الدعم كله لهؤلاء الشباب تماما كما منحتهم اياه كمحام في السابق.”
يذكر بأن د. حنين كان محامي الدفاع عن “الرافضين الخمسة” قبل نحو عامين وأنه أصدر كتابا تحت عوان “محاكمة الرافضين بهذا الصدد”.

**
* الرافض عمري عبرون: رسالة سلم وأخوة عابرة للحدود *
أنا، عمري عبرون، أرفض التجند في الجيش من منطلق الاخلاص للمبادئ الأخلاقية التي أؤمن بها.
رفضي للتجند هو احتجاج ضد الاحتلال العسكري المتواصل للشعب الفلسطيني، الاحتلال الذي يؤجج الحقد والارهاب بين الشعبين. إنني أرفض الانضمام الى الحرب القاسية الدائرة على السيطرة على المناطق المحتلة من أجل الحفاظ على المستوطنات وأيديولوجية أرض اسرائيل الكبرى.
إنني أرفض خدمة أيديلوجية لا تعترف بحق كل الشعوب بالاستقلال والعيش بسلام جنبا الى جنب. إنني لست مستعدا للاسهام بأي شكل بالمس المنهجي بحق مجتمع مدني وسلب حقوقه، والذي يتم تحت نظام أبرتهايد في المناطق المحتلة على أيدي الجيش الاسرائيلي. إنني أثور ضد تجويع وسجن ملايين البشر خلف الجدران والحواجز. إنني أرفض التجند لأنني لا أؤمن بأن العنف هو الحل وبأن الحرب تجلب السلام.
إنني أرفض خدمة مصانع الأسلحة، المنظمات الكبيرة، المقاولين الجشعين، الدعاة العنصريين والقادة الذين يتسببون بالمعاناة ويمنعون عن البشر الحقوق الأساسية. إنني أرفض التجند للتأكيد بأنه ليس لدى الجميع استعداد أن يكونوا محرَضين في صراعات قومجية وعنصرية، وأطلب بتصرفي هذا أن أعبر عن تضامني مع كل أسرى الحرية في العالم. إنني أرفض تصديق الأكاذيب التي تفرق العمال من طرفي الحدود ضد بعضهم البعض بدلا من النضال المشترك من أجل حقوقهم. إنني أريد من خلال رفضي أن أبعث برسالة سلم وأخوة عابرة للحدود، وأن أناشد كل من يَقتلون ويُقتلون من أجل مصالح غيرهم أن يلقوا بالسلاح وينضموا الى نضال من أجل بناء عالم أكثر عدلا.
إنني أدرك بأن هذا التصرف مخالفة للقانون في دولة اسرائيل إلا أنني مضطر الى القيام به من منطلق اخلاصي لقيم الدمقراطية، الانسانية والمساواة.
السيطرة العسكرية على ملايين الفلسطينيين ليست دمقراطية ولذا فمن واجبي معارضة كل قانون يسمح بسلب حقوق وحرية أي انسان أو التوجه اليه بعنف يسلبه انسانيته.
إنني أرفض حرب “سلامة المستوطنات” القومجية.
إنني أرفض القمع والاهانة المنهجيين ضد المواطنين.
إنني أرفض الاحتلال والسيطرة العسكرية التي تمنع الشعوب من حقها بتقرير المصير.
إنني أرفض نظام الأبرتهايد والعنصرية.
إنني أرفض رؤية البشر أعداء على خلفية عنصرية، قومية أو دينية.
إنني أرفض أخذ دور في دائرة الدم التي تبيد الشعبين.
إنني أرفض- كدعوة للأخوة بين الشعوب من أجل سلام ورفاء الشعوب الرانية نحو العيش بحرية ودون استغلال، قمع وحروب.
إنني أرفض أن أقتل، أرفض أن أقمع، أن أحتل!
إنني أشهر قناعتي بالسلام- وأرفض خدمة الحربو الاحتلال!

* نص الرسالة التي بعضها عبرون لـ “لجنة الضمير” في الجيش
**
يعيل رايدر:الاحتلال بنية الارهاب
في عيد ميلادي السادس عشر رأيت انسانا بريئا يحتضر. أطلقت عليه النار وأصيب في رقبته خلال قيامه بجر الخزائن. بالقرب منه أقيمت تظاهرة دون مسلحين واطلاق الجنود العشوائي للنار أصاب شخصا مر في الشارع. مثل هذه الحوادث تتكرر كثيرا، حتى أنه لا أحد يهتم بذكرها في الأخبار. هم ربما لا يذكرونها لهذا السبب أو لأسباب أخرى.
مثيرة كثرة المحتضرين في هذه البلاد، يحتضرون من الجوع ومن الحرب. ومع هذا ينتظرون مني أن أخدم الطريقة اياها التي تنتج هذا الوضع. عشرات السنين ونحن نعيش على حد السيف، وما عاد بوسعي أن أصدق بأن هذه هي الطريق الصحيحة: بأننا إن صبرنا قليلا فسيتحسن الوضع، بأننا ان واصلنا التجند والموت فإن الأمر سيتدبر في النهاية، بأننا سنتمكن هكذا من خلق وضع يلائمنا على الأرض.
السلم لا يصنع بالحرب، وإن لم تصدقوني فافتحوا كتب التاريخ. واليوم، وأمامي طلب التجند، كيف سيكون بامكاني أن آخذ دوري بهذا، كيف سأتمكن؟
كيف سأتمكن من التجند وتحضير القهوة لنفس الضابط الذي- وعدا عن مضايقتي الجنسية- سيبعث بأبناء جيلي ليَقتلوا ويُقتلوا، لينفذوا جرائم حرب وليلقوا موتهم المجاني؟ سأتحول الى برغي آخر في جهاز لا يخدمني، ولا يخدم أحدا سوى حفنة من أصحاب رؤوس الأموال وأصدقائهم في الحكومة. كم من الأكاذيب بوسعهم الترويج لنا تحت عنوان “الأمن”. أهنا من يشعر بالأمن؟ في حين من المتوقع أن يقع انفجار في كل لحظة، في حين من المتوقع أن يسقط كاتيوشا في كل لحظة؟ أتسبب لكم الحرب الأخيرة شعورا بالأمن؟ أتشعرون بأن بوسعكم الاعتماد على الجيش والحكومة؟ لماذا نعتقد بأننا ان واصلنا التصرف بنفس النهج الذي أدى بنا الى هذا الوضع فإن شيئا سيتغير؟
ربما حان الوقت لشيء ما آخر؟ الاحتلال هو بنية الارهاب. هو الذي ينتج الحنق واليأس، هو الذي يدفع الانتحاريين. كلما كانت يدنا أصلب فإننا سنتلقى المزيد من الضربات. السلم هو الحل الوحيد.
إنني لا أرى بالفلسطينيين أعداء لي، هذا قد يبدو لكم غريبا نوعا ما ولكن، لدي مشكلتان بالنظر اليهم كأعداء: أولا، لأنني لست عنصرية. لأنني غير مستعدة على النظر الى شعب كامل كعدو لي، وثانيا، لأنني أعرف من هم أعدائي، تكفي نظرة واحدة الى الميزانية الأخيرة من أجل ادراك هذا. كلنا نعلم من يقلص بالأدوية، من لا يهتم بالمسنين، من لا يهتم بأن لا يخلد طفل في هذه الدولة الى النوم جائعا، كلنا نعلم من يزج بنا الى الحروب، من لا يحاول حل الأمور بطريقة أخرى، انما يرسلنا فورا الى الموت في المعركة، من اهتموا بأن نكون على صراع مع الفلسطينيين من أجل ألا نكون على صراع معهم.
إنني أختار خيارا آخر، خيارا سينتقل بنا الى الأمام، بدلا من البقاء في نفس الوقع، غارطين حتى الأذنين بدمنا أنفسنا. إنني أختار الرفض، عدم التجند وعدم أخذ دور في الجيش. أختار أن أسهم لمجتمعي بطريقة أخرى. دون اقتراف جرائم ودون تأييدها بالصمت عدم السماح بأن ترتكب الجرائم باسمي، وأن أقاتل من أجل مجتمع آخر، مجتمع أكثر عدالة.

*يعيل رايدر، أعلنت برسالتها هذه لـ”لجنة الضمير” عن رفضها لخدمة ومن المتوقع أن تسجن الشهر القادم.

أكتب تعليقاً