اللد كمدينة مختلطة، نعمة وليست نقمة

المواطنون العرب في اللد، لا يعشقون مخالفة القانون.. ولكن عندما تصبح مخالفة القانون هي العادة فهذا يقول الكثير عن القانون: يقول إن القانون هو غير العادي وغير الطبيعي..!

د.دوف حنين

قامت جرافات الهدم مطلع هذا الأسبوع بهدم خمسة منازل جديدة في مدينة اللد، بحجة البناء غير المرخص لتعود هذه القضية الى رأس جدول أعمالنا واهتماماتنا.
قبل الخوض بتفاصيل القضية ومحاولة فهم مصادر البناء عير المرخص لا بد من توجيه الانتقاد اللاذع للسلطات التي أعتقد جازما بأنها تقوم بتنفيذ عمليات الهدم في ساعات الفجر الأولى، كما حدث مطلع هذا الأسبوع لحرمان الأهل من حقهم بالتوجه الى المحكمة والحصول على أوامر منع هدم. هذه المناورة تحرم السكان من حق طبيعي لهم وهي انتقامية ومرفوضة.
بحسب المعلومات الواردة في تقرير قسم الأبحاث والدراسات في الكنيست هذا الأسبوع فإن في مدينة اللد، 74 ألف مواطن، 27,5% منهم عرب والبقية من اليهود، ومن بين المعلومات الأكثر خطورة بأن الشرائح الميسورة والقوية اقتصاديا هجرت المدينة في العقد الأخير لتحل مكانها شرائح مستضعفة، ما يشير الى مدى اهمال هذه المدينة.. تشير المعلومات الى وجود ما بين 2000-2500 وحدة سكنية غير مرخصة في المدينة وبأن معظم هذه المباني تقع في المناطق العربية وخاصة حي شنير وحي المحطة.. ولكن وقبل توزيع التهم جزافا على المواطنين العرب لا بد من قراءة الطرف الآخر من المعادلة والانتباه الى أن هنالك نقصا بـ 1600 شقة سكنية مطلوبة فوريا لسد احتياجات المواطنين العرب في المدينة.
قبل توزيع التهم لا بد من المعرفة بأن في مدينة اللد 2700 عائلة عربية يعيش نحو 60% منها بكثافة مرتفعة أو بمبان غير مرخصة. يجب أن نعرف بأنه لا خارطة هيكلية محتلنة لمدينة اللد منذ سنوات السبعين وبأنه لا حلول متوفرة لمتطلبات الجماهير العربية وتكاثرها في المدينة، وهذا ما أدى ليس فقط الى وجود منازل غير مرخصة انما الى أحياء كاملة غير معترف بها وتنقصها الخدمات الأساسية كالمياه والمجاري.
فلنكن على ثقة إن المواطنين العرب في مدينة اللد، لا يعشقون مخالفة القانون ولا يهوون السكن في البيوت غير المرخصة، ولكن عندما تصبح مخالفة القانون هي العادة فهذا يقول الكثير عن القانون، يقول بأن القانون هو غير العادي وغير الطبيعي..!
لفهم ما أقصد على الجميع أن يذهبوا الى اللد لزيارة الأحياء العربية فيها، حيث تحولت بفعل التمييز والتنكر الى جيتوات مظلمة منكوبة بالفقر والبطالة والمخدرات وهذه ليست ضربة قضاء وقدر.
وحلها لا يكون بالتعامل مع هؤلاء المواطنين العرب على أنهم خطر دمغرافي والسهر على اعداد المخططات لتيئيسهم وتهجيرهم انما يكون باشراكهم في اتخاذ القرارات، ومشاورتهم، الأمر الذي لم يحدث بعد. تأتي السلطات وتدعي بأنها حاولت توفير البدائل والحلول للمواطنين لكنهم لا يتجاوبون معها، فهل المشكلة هي بالمواطنين أم بالحلول؟ طبعا بالحلول المفروضة من فوق وغير المتوافق عليها بسبب تعنت السلطات على عدم ايجاد لغة حقيقية من الحوار الندي الحقيقي مع المواطنين وتوفير الحلول التي تليق بهم حقا.
الصورة في مدينة اللد قاتمة لكنها ليست استثنائية انما تعكس الظروف في كل البلدات المختلطة في البلاد، وخاصة في الرملة وعكا ويافا حيث حولت الأحياء العربية الى ساحات خلفية للمدينة لكن المعطيات عن هجرة أبناء الشرائح القوية ماديا يشير الى أن هذه المدن لن تتخلص من مواطنيها العرب، فهم باقون فيها بقاء صاحب الوطن في وطنه انما ستغرق بالفقر والفقراء، ما يعني بكل وضوح المعادلة التالية: إما أن تكون هذه المدن أماكن جيدة لكل المواطنين عربا ويهود وإما أن تكون جحيما للجميع، عربا ويهود وجرائم الهدم تحول المدينة الى جهنم حقيقية. فقد زرت أكثر من مرة أسرا عربية هدمت منازلها، شاهدت ذلك الحزن واليأس في العيون وأحذر من أن هذه المشاعر قد تتحول الى حقد وغضب على الدولة لا أحد يعلم متى ينفجر..
أرفض الادعاء وكأن بنية المدن المختلطة نقمة على مواطنيها وأعتقد بأن مدينة حيفا قدمت ولو جزئيا نموذجا (وأكد: جزئيا وقياسا فقط الى بقية المدن المختلطة، دون التقليل من معاناة المواطنين العرب في حيفا ونضالاتهم)، منموذجا آخر يثبت بأن هذا التباين والتنوع بالحضارات في المدينة الواحدة يمكن أن يحول المدينة الى أكثر أهمية واثارة، وجمالية.. وأعتقد بأن هنالك مكانا لمثل هذا الحلم حتى في مدينة كاللد.
وأما حاليا فالمطلب الأول والأكثر الحاحا هو التوقف عن عمليات الهدم، بالمناسبة، كل عملية هدم تكلف الدولة ما بين استئجار المعدات الثقيلة والقوى البشرية والحراسة والشرطة وغيرها من مصاريف مبالغ طائلة ويقدر البعض تكاليف عملية الهدم الأخيرة وحدها بنحو مليوني شاقل المبلغ الذي لو صرف في خدمة المواطنين بدل الانتقام منهم لكان ذا فاعلية أكبر.
الى جانب التوقف عن عمليات الهدم على السلطات المعنية أن تقيم حلقات حوار ندية مع المواطنين لايجاد حلول حقيقية لمشاكلهم وتناسب ظروفهم.
كما ويجب على لجنة الداخلية البرلمانية تعيين لجنة متابعة لقضايا اللد لمراقبة تعامل السلطات مع هذه القضايا، على أن توضع خلال شهرين خارطة هيكلية للمدينة كلها تتجاوب مع مشاكل الأقلية العربية فيها.

* مادة أعدها النائب حنين خلال نظر لجنة الداخلية البرلمانية في قضايا مدينة اللد، هذا الأسبوع.

أكتب تعليقاً